المدونة

البداية: لماذا نبدأ؟ ولماذا لا نستمر؟

٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦

فكرت كثيراً في موضوع هذا المقال، خصوصاً أنه أول مقال أنشره، وبعد تفكير عميق استقر اختياري على أن يكون عنوانه: البداية.

البداية صعبة، لكن ما اكتشفته مع الوقت أن الاستمرار قد يكون أصعب.

نشرت خمسة منشورات في شهر واحد، وتجاوزت مشاهداتها مئة ألف. ثم جاء الشهر التالي.. ولم أنشر شيئاً.

فسألت نفسي: لماذا توقفت، رغم أن البداية بدت ناجحة؟ وما الذي يساعدنا على مواصلة الطريق بعد أن يهدأ الحماس؟

فكّر مثلاً في الجيم: تواظب عليه مدة لا بأس بها دون انقطاع، ثم تصل بعدها إلى الملل. لكن لو تغلبت عليه وأكملت الطريق، ستصل إلى ما ترجو بإذن الله تعالى.

ولعلي أفكر معك بصوت مرتفع: كيف نكمل دون ملل؟


النية أولاً

قبل أن أبدأ، دعني أذكّر نفسي بأهم وأول أمر لا بد أن يكون حاضراً في كل ما نقوم به في حياتنا كمسلمين، ألا وهو النية.

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى”

قبل أن تشرع في أي عمل، جدّد نيتك فيه حتى تؤجر عليه، ولا يمضي وقتك دون أجر أو ثواب.


لماذا نبدأ؟

نبدأ لأننا نريد الوصول إلى هدف محدد، ولأننا نريد أن نكون أفضل، ولأننا نريد أن نتعلم أكثر.

لذلك حدّد قبل البدء: أين الوجهة؟ وكيف الطريق؟

تحديد وجهتك وهدفك قبل البدء يختصر عليك كثيراً من الطريق. فإن أردت مثلاً أن تتعلم مهارة محددة، وليكن التصميم، فاسأل نفسك أولاً:

  • لماذا أريد أن أتعلم التصميم؟
  • وإلى أين أريد أن أصل؟ هل للتخصص في مجال محدد، أم لتعلّم مهارة تساعدني في حياتي، أم لكسب المال؟

حدّد وجهتك لتختبر نفسك على طول الطريق: هل أنت على المسار الصحيح أم لا؟

لو أردت أن تنتقل من النقطة (أ) إلى النقطة (د)، فأمامك طريقان: أن تحدد وجهتك وترسم مسارك، أو أن تبدأ السير دون أن تدري أين تذهب، وتترك الطريق يأخذك إلى حيث ينتهي.

وغالباً ما يساعدك تحديد الوجهة على الوصول أسرع، وبإنجاز أكبر.


كيف نبدأ؟

بعد أن حددنا لماذا نبدأ وما هدفنا، يأتي السؤال: كيف نبدأ؟

بعد أن جددت نيتك وحددت وجهتك، ما عليك سوى أن تنطلق في رحلتك. وإن كنت مبتدئاً في مجال ما أو قليل الخبرة، فاسأل من سبقك في الطريق؛ ليختصر عليك كثيراً من شتات البدايات. وبإمكانك أيضاً الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في ذلك.

لا تنتظر أن تتوافر لديك كل الإمكانيات لتبدأ، فهذا غالباً ما يؤخرك كثيراً. ننتظر جهازاً بإمكانيات مرتفعة قد لا نحتاجه الآن، وننتظر الوقت المثالي، وننتظر الشخص الذي يدفعنا..

توقف عن الحجج والأعذار، واستعن بالله، وخذ أولى خطواتك.

تعلمت التصميم حين كنت في المرحلة الإعدادية، ولم تكن المعلومات والشروحات وقتها متوفرة كما هي اليوم. وكان جهاز الحاسوب الذي أعمل عليه يستغرق قرابة ١٥ دقيقة ليفتح البرنامج، فضلاً عن بطء الإنترنت.

تخيل لو لم آخذ الخطوة في وقتها، وانتظرت جهازاً جديداً بإمكانيات كبيرة.. لما حصلت على ما حصلت عليه من فرص وخبرة. وهذا كله بفضل الله وحده.

ابدأ بأقل الإمكانيات التي في يدك، واستعن بالله، ومع الوقت ستتعلم وتنجز أكثر إن شاء الله.


لماذا لا نستمر؟

دائماً ما أتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم:

“إن لكل عمل شِرّة، ولكل شِرّة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك.”

منذ أن سمعت الحديث وهو يدور في ذهني كل فترة، يذكرني بأن لكل عمل نشاطاً وحرصاً في أوله، ثم بعدها ضعف وخمول، فأحاول استغلال تلك الفترة في بناء العادة حتى أظل مستمراً بإذن الله.

بعد أن نبدأ ونقطع شوطاً كبيراً في الطريق، نصل إلى مرحلة لا نستطيع فيها الإكمال؛ يصبح العمل مملاً وروتينياً، ولم تعد الشخص نفسه الذي كنت عليه في بدايتك.

وكما ذكرت في البداية، كنت قد عزمت على نشر أعمالي بجانب محتوى تعليمي على حسابي في إنستجرام، فنشرت خمسة منشورات في شهر واحد، ثم توقف النشر!

فتساءلت في نفسي: لماذا لم أستمر رغم الإحصائيات الجيدة؟ وبعد التفكير والتحليل وصلت إلى عدة أسباب:

١. عدم وضوح الرؤية

غياب الرؤية غالباً ما يصيب بالتشتت. تخيل أن تخرج من بيتك بلا وجهة، ولا تدري أين تريد الذهاب؛ هل ستصل إلى شيء، أم ستظل في حيرة، أم ستسير مع من يسير؟

وضوح الرؤية وتحديد الوجهة يساعدانك كثيراً على اتخاذ الخطوات المناسبة.

٢. الملل والتكرار

مع الوقت والاستمرار والتكرار قد يصيبك الملل والسآمة. لذلك أحاول دائماً أن أفعل شيئاً جديداً كلما كررت المشروع؛ فحين أبدأ مثلاً مشروع موشن جرافيك جديداً، أحاول أن أتعلم وأجرب شيئاً لم أجربه من قبل.

هذا يساعدك على كسر الملل، ويرفع مستوى مهارتك في الوقت نفسه.

٣. المقارنة

أظن أن باب المقارنة إذا فُتح على الإنسان استهلكه وأثّر في نفسيته كثيراً: فلان نجح في دراسته، وفلان اشترى شيئاً جديداً.. توقف عن كل تلك المدخلات، وركّز على هدفك، وستصل إلى ما تريد بعد توفيق الله عز وجل.

الشخص الوحيد الذي تقارن نفسك به هو أنت بالأمس. ادفع نفسك للتحسن كل يوم، ولو بنسبة ٠٫١٪.


كيف نجعل شرارة البدايات حماساً للاستمرار؟

الحماس الأول لن يبقى كما هو، وهذا طبيعي. المهم أن نبني ما يُكمل الطريق بعده:

  • ارجع إلى نيتك ووجهتك كلما ضعفت، واسأل نفسك: لماذا بدأت أصلاً؟
  • صغّر الخطوة حين يثقل الطريق: “سأفتح الملف فقط، سأعمل عشر دقائق”.. وغالباً ستكمل أكثر مما توقعت.
  • غيّر الطريقة لا الهدف؛ فالملل كثيراً ما يكون من الطريقة، لا من الهدف نفسه.
  • تذكّر أن الحماس يبدأ الطريق، لكن الانضباط هو الذي يجعلك تستمر.

في النهاية، كل طريق له بداية، وأجمل ما في الطريق ليس الوصول، بل ما نتعلمه ويتغير فينا على طول المسير.

ابدأ، واستمر، وتوكل على الله.. فإنه خير معين.

وأنت، كيف تستمر؟ شاركني رأيك على إنستجرام.

آخر المقالات تصلك على بريدك

عبر نشرة، بلا إزعاج.

اشترك في النشرة